القسم الثقافي  |  القسم العربي  |  القسم الكوردي |  أرسل  مقال  |   راسلنا
 

تقارير خاصة | مقالات| حوارات | اصدارات جديدة | قراءة في كتاب | مسرح |  شعر | نقد أدبي | قصة | رياضة | الفنون الجميلة | الارشيف

 

البحث



Helbest

 

 
 

قراءة في كتاب: سيميائيات الشِّعر «حين أضاعتِ الحربُ طريقها».. إلى «مشعل تمو» في الغياب المفاجئ ـ المؤلم...!!!

 
الأربعاء 19 تموز 2017


خالد حــسين:
 
مع تشكيل العَلامات وتشفيرها تفرضُ السّيميائيات ذاتَها كأخطر أداةٍ من أدواتِ الثَّقافة في بَنْينَةِ العَوالم الرَّمزية. وتتدرّج هذه "العَوالم" من البَساطة (النصوص القائمة على مبدأ التجاور الكنائي) إلى التَّعقيد (النُّصوص التي تتخذ الاستعارة مبدأ في إنتاج دلالاتها) كل ذلك في كَنَفِ العَمَليّة السِّيميائيِّة وعبرها. وتأتي النُّصُوصُ الأدبيّة في هذا المقام كتجلٍّ من تجلياتِ العَوالم التي تمتاز ُبالتَّشفير المضاعف سَمْطَقةً، حيث تتنضَّدُ العَلامَاتُ بِفِعْلِِ إرَادةِ المخيِّلة وضغوطاتها في نزوعات جَمالية مفارقة، من شأنها استحضار عوالم مُخْتَلَقَة تهرب من العالم الواقعي وتراوغه؛ لتضعَ بذلك حداً للتماثل والتشاكُل معه وهذا مَا يَرْمِي بِنَا إلى ضِفَافِ مِيَاهِ اللُّغة المُعْتَمَة التي تُشكّلُ ماهيةَ هَذِهِ النُّصُوصُ من جهةٍ. وفي الوقت نفسه تَعْضُدُ من إغلاق الطُّرق السهلة للوصول إلى دلالاتها، ومن ثَمَّ يعزُّ على القارىء حصار هذه النُّصوص إذ يمنحها التشفير الطاقة الدلالية الهائلة للإفلات من الإطباق والتمثيل والحسم الدلالي. 


ونظراً إلى أنَّ السَّمْطَقةَ تناوشُ طبقات "العلامة" جميعاً؛ فالقراءة مدعوّة هنا إلى تَحرّي البعد السيميوطيقي لثيمات النِّصِّ في المجموعة الشعرية "حين أضاعتِ الحربُ طريقَها، عمان، دار فضاءات، ط1، 2017 "للشاعرة هيفين تمو.
تقدّم لنا المجموعةُ الشِّعرية مساحاتٍ نصيةً شاسعةً(193ص)، تتفاوتُ فيها النُّصُوصُ الشِّعرية في مستواها الفنّي من حيث اللواذُ بالكَثافاتِ الاستعارية إلى القطب الكنائي الذي يشفُّ في اشتغالاته النَّصية عن كثافةٍ أقلّ على صعيد المعنى عما عليها الحال في الاشتغال الاستعاري ولاسيما في النُّصوص الأخيرة من المجموعة؛ التي تتنازعُ في فضائها الموضوعاتي ثيماتٌ عديدة. ولا يمكن قراءة المجموعة بعيداً عن الحَدَث السُّوري، الحدث الذي يحضر بعنف وقوة في عناوين النُّصوص وتضاريسها بكلِّ الآمال التي رسمها، هذا "الحدث ــ الحلم"، وكل الآلام التي ترتَّبت وتترتّب عن حيثياته لاسيما أن الشَّاعرة قد فَقَدَت والدها (مشعل تمو، الشَّخصية الوطنية المعروفة) غيلةً في سياق الجرائم التي ارتكبها النِّظام وعصاباته بحقِّ الأصوات المدنية التي نادت بسوريا مُغَايرة.
أما على صعيد هذه القِراءة فسيجري التركيزُ على استكشاف الماهية السيميوطيقية لموضوعاتٍ مهيمنةٍ مثل الحَرْبِ والحُبِّ والغِيَابِ وما يتعلّق بهذه الموضوعات من أمشاج ثيمية ثانوية، فالنُّصوص تقدّم مفاتيح كثيرة للقراءة النقدية عكسما يتوهم مُقَدِّمُ المجموعة الشَّعرية؛ الذي حَصَرَ القِرَاءة في جُمْلةٍ شِعْريةٍ لا تمضي بالتأويل بعيداً.  
سيمياء الحرب:
تَشْغَلُ ثِيْمَةُ الحَرْب بِحَقْلِهَا الدِّلاليِّ أَحْيَازَاً كبيرةً من نُصُوص المَجْمُوَعة بل إنَّ هذه الثيمة قد خطفتِ المَجْمُوْعَةَ الشِّعرية خطفاً حينما استحوذَ عنوانُ أحَدِ النُّصوص(حين أضاعت الحربُ طريقَهَا) على التَّسْمِية العَامة للمَجْمُوعة، وفي ذلك تبئيرٌ واضحٌ للقَصْدِيةِ المتوخَّاةِ في عَمَليةِ العَنْوَنَةِ ذَاتَهَا، كما إنَّ إلقاءَ نظرةٍ خاطفةٍ على مَسْرَد العَنَاوين تؤكِّدُ جموحَ ثيمةِ الحَرب في حُضُورهَا السِّيْميَائيِّ: (بعد أن تنتهي الحرب، لا أحد يعرف كيف يسكت الحزن، حنين لم يغسله ملح المنفى، وخز على نافذة الحرب، حين أضاعت الحرب طريقها، ثمة حرب هناك، كفانا خراباً، حِداد)، هذا فضلاً عن تغلغل المعجم الدالِّ على الحَرب في التَّفَاصيل النَّصيّة لِكَثِيْرٍ مِن القَصَائد.
ما يميز الكلمة الشِّعرية (أو الأدب عموماً) كما يقول هيليس ميلر إنها تعطّل "الخاصية الإشارية التي تتسم بها اللغة عادةً، أو تخرجها عن مسارها أو تعيد توجيهها"، وهذا ما يسمح للقارىء مع المسار الجديد للعَلامة اللغوية أن ينفتح على هوّةٍ من التَّصَدُعَات الدِّلالية  الافتراضية التي تنهب أرض العَلامة وهذا ما يُصِيْبُ "الحَرْب" كَعَلامةٍ في سيَاقَاتها الشِّعْرية، ولكن أيّة "حرب" هذه...؟ لنتأمِّل عنوانَ هذه القصيدة "حين أضاعتِ الحربُ طريقَها"، فالظَّرفُ الزَّمانيُّ "حين" يضعنا إزاء هوةٍ من الحَيرة؛ فما "الحرب" التي تاهت؟ والحروب كلها برسم التَّيهان تمضي بالكائن والمكان إلى الويل والهَلاك. ومن هنا فالحرب كعلامةٍ إنما تومىء إلى "حدث" آخر قد أضاع طريقه أو أنه لم يُنْجز أهدافه؛ ليتحوَّل إلى حربٍ عمياء ضلّت طريقها ...!فهل تشير الشاعرة بعنوان ديوانها وقصيدتها إلى "الحَدَث ــ الثَّورة"، الحَدَث الذي رَسَمَ الكثير من الآمال والأحلام والتَّوقعات سرعان ما تَسْتَنْفِرُ قُوى الشَّر أحقادَهَا إزاءه، لتضلّه عن طريقه إلى تلك "الحرب" الضروس التي أرادتها هذه القوى الشريرة؛ فالحرب وفق تخمين تأويليٍّ، هنا؛ ثورةٌ مغدورةٌ وقد تِيْهَتْ عن طريقَهَا رغماً عنها. هذه الحيرة الدِّلاليّة في شأن سيمياء الحرب تتكشف في خاتمة هذه القصيدة:" الحرب كالدمية قضمت أحذيتنا وأضاعت طريق عودتها /بعد كلِّ هذا الخَراب،/ تأخذ شكلَ الضياع الأعمى/ حين يطاردنا كدخان سجائرنا/ وهو يتلاشى عند حائطٍ مسدود، ص 124 فمع هذه الخَاتِمَةِ لم تعد ثمة آمال وأحلام؛ ولم تبقَ سوى حرب داشرة فرضتها قوى الشَّرِّ على الكائن والكينونة والمكان. لكنّ الغرابة المتشكّلة من الصُّورة التشبيهية "الحرب كالدُّمية" تستقطبُ اهتمامَ القارىء من حيثُ تقاسمُ الحَدّين لعامل مشترك وهو "العَمَى"، وهو ما يتنادى مع صورة عتيقة تنهض من عالمها في القصيدة الجاهلية "رَأيْتُ المَنايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ من تُصِبْ"، لكنَّ الصُّورة لدى الشَّاعرة تنزع نحو التعقيد والتداخل(الحرب=الدمية=الضياع الأعمى= دخان السجائر)، كما لو أنَّ الويلات والفظائع التي رافقت هذه الحرب الهمجية وترافقها لم تدع مجالاً للشاعرة لمممارسة الاقتصاد العَلامي فاضطرت إلى التنويع في المشبَّه به(الدمية، الضياع الأعمي، دخان السَّجائر) بقصد الإحاطة بهذا الجنون الأعمى للحرب التي دشّنت حائطاً مسدوداً إزاء مستقبل السُّوريين، فالصُّورة هنا تبتكر دوائر دلالية عبر إدماج عناصر جديدة في خانة المشبه به مما يثري الصُّورة ولايضعفها. يمكننا الآن أن نعود إلى بداية القصيدة ذاتها؛ حيث تكتب الشاعرة:"لنا مايدلُّ علينا من حزن البلاد/ مياهٌ مالحة/ نافذة بلا جدران،/ وتابوتٌ يمشي وحده، ص 121"، كما لو أنَّ هذه الكائنات النَّصيَّة اتخذت من المبدأ الأيقوني مساراً لبناء الصُّورة الشِّعرية، إنها البلاد التي لم تعد تلائم الحياة(مياه مالحة)، أو السكن(نافذة بلا جدران) أو بلاد دون بشر (تابوت يمشي وحده) يالفظاعة قوى الشَّرِّ التي ائتلفت لتجتثَّ الكينونةَ من عروقها. وفي قصيدة "ثمّة حرب هناك" تكتب الشاعرة:" ثمّة حرب هناك/ لصوصٌ تطعن الليل/ قصائدُ ووطن/ يتكاثر حيث النوافذُ المفتوحة/ وهي تلامسُ الهواء/ لم أكُن هناك/ لكنّي أعرفُ قصة الأرض الخرساء/ الأرض المنسيّة/ أربعُ سنوات والحلم يتعفن في الانتظار/ كُلُّ النهار راحلٌ/ كلٌّ الموت المتراصِّ بحذرٍٍ/ يشتدُّ عند حدود المنفى/ هل الحرب أكثرُ التصاقاُ بنا أم القبر؟ ص 133". وبغض النَّظر عن الحضور  الخاطىء لاسمي الإشارة "ثمَّة وهناك" في الجملة ذاتها؛ لكونهما بمعنى واحد (=هناك) في العُنوان والنَّص؛ فإنَّ الشذرة النَّصية تلتفُّ على كائناتٍ شعريةٍ غامضةٍ مما يمنحها الطَّاقة الدِّلالية على إثارة القارىء لبناء عالم افتراضي من اشتغال العَلامات سيميائياً في فضاء القصيدة: فهذه الحرب بقوانينها أفرزت عالمها الخاصّ (اللصوص:"أمراء الحرب"، النوافذ المفتوحة:"بيوت غادرها سكانها"، الأرض الخرساء: "البلد المنسي من قبل العالم المنافق"، الحلم المتعفن "الثورة التي لم تتحقق"، الحرب ــ القبر "الإقامة المحتارة للمواطنين السوريين")، ولكن مايثير الانتباه في النَّصِّ يكمن في هذه الصًّورة "أربعُ سنوات والحلم يتعفَّن في الانتظار"؛ حيث تتحرَّك مكوِّنات الصُّورة من حالة التَّجريد إلى المحسوس؛ لتعبّر عن لسان حال السُّوريين الذين ترقبوا تحوّل "الحلم" إلى واقع فعلي حيث "الحرية المتوخاة"، لكنّ قوى الشّر المحلية والإقليمية والدولية جميعها ثبّطت من حركة "الحلم" ليبقى أمل السُّوريين رهن الانتظار المستحيل ..!!!
سيمياء الغياب:
للغيابِ حضور ٌوأشكالٌ؛ وفي نصوص المجموعة يرتبط هذا الغياب بالفقدان، سواء تعلَّق الأمر بالذين خطفهم الموت غيلةً، أو تغييب الحرب عنوةً لفضاءات محبّبة للذات ومن ثمَّ نسف الحضور الشَّخْصي للكائن في مكانه؛ لينهض المنفى معضوداً بطبقات كثيفة من الحزن والحسرة كتعويض عن فقدان هذه الفضاءات، على أنَّ صورة الأب الغائب تهيمن على ثيمة الغياب فضلاً عن صورة الوطن المفقود في قصائد عدة (في الذكرى الرابعة لرحيل أبي، وخزٌ على نافذة الحرب،...إلخ)، هذا إلى جانب تغلغل ثيمة الغياب بأشكالها العديدة في ثنايا النُّصوص الشِّعرية؛ وَيَهمُّنَا، هنا، التوقف عند أقسى حالات الغياب في المجموعة وهي غياب "الأب"، فمن قصيدة (في الذكرى الرابعة لرحيل أبي):"كان الوقتُ مساءً حين انتظرتُ أبي ليستيقظَ من موته/ يقرأ لي نصاً من كتابٍ في السياسة/ أو يفتح لي نافذةً في قصيدة/ أعجزُ عن مجازها/ أو يمسح عن جبيني ملامحَ للحب الذي أتعبني، ص47". يتكىء المقطعُ الشِّعريُّ على تقنيةِ السَّرد للاستحوذِ على المشهد واقتناصِ الحضور الذي كان يمثّلُهُ الأب في حياة الشَّاعرة التي لاتنفك رهن انتظار الأب، فحضورُهُ حضورٌ معرفيٌّ (يقرأ لي نصاً في كتاب السياسة) وجماليٌّ (يفتح لي نافذةً في قصيدة) أو عاطفيُّ عبر المشاركة في تخفيف وطأة الحبِّ التي تستبدُّ بالذات المتكلمة. هكذا يتخثر غياب الأب حضوراً رغم الغياب:" صار عمري أربعَ سنوات يا أبي/ وما زلتَ نائماً في سريركَ/ ومازالت أمي تهرول بجمجمةٍ محروقةٍ بالذكرى. ص48". أما في قصيدة (وخزٌ على نافذة ِ الحرب)؛ فتقدِّم الشَّاعرة شذراتٍ شعرية يضئيها غياب الأب المثقل بالألم الممضّ:"هي الحرب يا أبي/ تدفنُ نفسها بين ذراعيكَ/ كظلالٍ موحشة، ص92"، تقلب الشَّاعرة المفهوم المعتاد للحرب من حيث طَاقتُهَا المهلكة على الإفناء، لتنتزع فاعلية الهَلاك والموت المرافقين لها، فتغدو مجرد وحشة مدفونة بين ذراعي الأب المغدور به. إنَّ المنفى لهو شكلٌ من أشكال الغياب الحادة حيث البيوت الأولى المفقودة، وحيث البلاد المدفونة تحت الخراب، البلاد التي تستدعي الحنين إليها، حنينٌ مُتَخَثرٌ لا يقوى ملح المنفى على غسله:" أُخفي حنينَ الأمكنة في صناديقَ صغيرةٍ/ أحملها كجرحٍ عتيقٍ يئنُّ بالغياب/ أقلِّمُ أظافرَ الموت المعلق من رأسه/ ساعةَ الحزن، ص83"، هنا تمضي حركة الصُّور من المجرَّد إلى المحسوس فترفع من حدة جمالياتها:(الحنين =شيء مخبأ في صناديق صغيرة)أو(تلك الصناديق الصَّغيرة الشبيهة بجرح عميق(=كائن حي) يئنُّ بالغياب(=الألم)، أظافر الموت (=كائن)، فالأمر يرتبط بحنين للأمكنة تحت وطأة غيابٍ قاسٍٍ، فكلما اشتدت وقدةُ الغياب يغدو الحنين جرحاً عميقاً والمنفى جحيماً لايطاق.
سيمياء الحبّ:    
 الحبُّ القَدَرُ الذي لابدَّ منه، الحَدَثُ الذي لابدَّ للقصيدةِ منه، الحَبُّ يمثِّل ذلك الذي يسمِّيه الفلاسفة بالتخارج أي ذاك الرفض للتفاف الذات على ذاتها بداعي الانغلاق، ولذلك يأتي التخارج لتحطيم هذا الانغلاق والانفتاح على ذاتٍ أخرى؛ فالحبُّ ضيافةٌ، استضافةُ الجسد لجسد آخر، ومن ثَمَّ استضافة الكلام لكلامٍ مغاير ومختلف، كما لو أنَّ المشروع السَّردي للحبِّ يكمن في الوصول إلى هذه اللحظة القصوى من الاختلاف والمغايرة. وبالعودة إلى المجموعة الشِّعرية تغمر موضوعات الحبِّ الفضاء النُّصوصيّ (يسقط الحبُّ مقتولاً، إذا لم أكن يوماً حبَّاً، للعاشق، الهدنة في الحب مرهقة أكثر، وحده الحبُّ يبقى بعيداً، ندبة الحبِّ التي في وجهكَ، لاأجيد إلا الحبّ، نحن العشاق، حبٌّ وحيرة)، ولاشكَّ فهذا الحضور الكثيف لثيمة الحبِّ يمنحها القيمة المهيمنة على بقية الموضوعات الأخرى التي تشغل عالم النُّصوص الشِّعرية، لكن كيف يأخذ "الحبُّ" ماهيته في إطار لعبة السيمياء شعراً...؟ تكتب الشاعرة في قصيدة (إذا لم أكن يوماً حُبَّاً):"وحين أكونُ أنا/ عليكَ أن تأتي كمطرِ فجائي/ يغرفُ من الروح كلَّ غياباتِ المدن الباردة/ يمتدُّ بي كظلٍّ يرقصُ؛ رقصة زوربا/ على مساحاتٍ من ضوء/ تعبرُ هذا الجسد/ عليكً أن تتعلم فكَّ سرِّ الضّفيرة/ ليعبرَني هذا الحبّ، ص 22"، يكشف المشهد السِّيميائي لنا عن أن "الحبَّ" لا يكون إلا تبادلياً كما يرى جاك لاكان، فالتبادلية هي التي تَهَبُ "الحبَّ" البعد الكينوني، ومن ثَمَّ فالتبادلية لا تعني الاشتراط بقدر ما تمنح للحبِّ أرضية التأسيس في أن يتجلّى كحدثٍ مرئيٍّ؛ فالحبُّ  لا يكون مشروطاً البتة مثل الضيافة تماماً؛ فـ"أنا أحبكَِ" يعني بكلِّ بساطة أن أمنحكَ نفسي، لحمي، أمنحك ما تفتقده انطلاقاً من قرارٍ ذاتيِّ يتقوّض الإكراه تحت عنفه وطاقته. غير أن المشهد الشِّعري لدينا لايشتغل إلا وفق منطق الاختلاف، أي يمضي بالحبِّ، بالتبادلية الجسدية لتكون "حدثاً"، دمغةً"، فَالحَبُّ حتى يكون اختلافاً/ مغايرةً لابدَّ أن يُغادرَ الصُّورة الاعتيادية له، ومن هنا انبثاق هذه الاشتراطات التي لابدَّ منها لإنجاز البرنامج السَّردي للعاشق، ولذلك ينبغي أن يكون "مطراً فجائياً(المدهش)، زائحاً غيابات المدن الباردة (الحضور البهي)، مبتكراً للرقص(الفعالية)، لكن المغايرة في العشق لا تتحقَّق إلا بمعرفة "السرّ" الذي تُواري به الأنثى سرَّ عشقها واقترابها؛ فلا يمكن للحب أن يعبرَها، يعبر فضاءها إلا بمعرفة السرِّ الذي يكمن في لغز هذه "الضفيرة"، فالضفيرة  كلُّ خُصلةٍ تُضفَر على حِدة، والضفيرة الحائط يُبنى في وجه الماء، ولكي يتسنَّى إيصال الماء إلى شعر المرأة لابدَّ من حَلِّ الضفيرة وفكفكتها، هكذا لايمكن للحبِّ أن يعبر إلى هدفه إلا بتفكيك طبقات العرف والعادة حتى يكون حبَّاً! تقدِّم المجموعة صور الحبِّ ضمن عالم من سيمياء المرئي، كما لو أنَّ لايقينَ للحبِّ إلا أن يكون مرئياً:" أيُّ شيءٍ يُقال تحت المطر/ أشبه بقبلةٍ توقظُ ليل الجسد. ص33"، تأخذنا الشَّاعرة إلى فعالية الحبِّ، ففي الحب تنتقل الذات من وطأة الانغلاق إلى حالة الانفتاح، فدخول الجسد في السُّبات مرهون بغيابُ الحبِّ وفقدانه، إذ الجسد بمنأى عن الحبِّ يحيا شتاءه، انغلاقه ووحدته، بل إنَّه يحيا الكراهية المتخثّرة التي تحيط به، لذلك حين يأتي "الحُبُّ" تقويضاً لهذه الدائرة السلبية؛ فإنه يستعيد كينونته ويتناءى عن كراهية الذات التي اعتاش عليها في وحدته. تنسج الشاعرة صورة شعرية عبر توليف بين مكوِّنات/ عَلامَات تضربُ جذورَهَا عَميقاً في الفنَِّ الشِّعريِّ: المطر، قبلة، ليل، الجسد، فهذه العلامات التي تأتلف تقيم عالماً سيميائياً موازياً أو افتراضياً تدفع بالجسدين العَاشقين أن يكونا في العَالم، جزءاً منه لينقلب ليل العالم المحتفي بجسدي العاشقين إلى حالة الفعل/ اليقظة فلا خير في كلام المحبوب إن لم يشعل هذا الليل، العالم، الجسد من الغفل ويضعه قاب قوسين أو أدنى من البهجة والمتعة. الحبُّ هو الفضاء الذي تتخذ فيه الأحداث معناها ودلالاتها، لكونه يهب المعنى للوجود والعالم، تكتب الشاعرة في قصيدة "كعشبٍ أخضر": " بالحبِّ أزيلُ النُعاسَ عن قلبي/ وبصوتي أُكرِّرها لك/   Bi evînê xilmaşiyê ji ser dilê xwe radikim/ بالشِّعر أزيلُ وحشة الحياة/ وكلَّ الأغصان المتعفنة التي تحتضنُها الحرب/ وبكَ أنتَ../ أستلقي على العُشب بينَ أشجار الكستناء/ وهي تتأرجح/ كغمزة عينٍ ساعة الحبّ. ص 45". هكذا بمواجهة الاحتجاب القسري للكينونة بفعل انسحاب الكائن(النُعاس) واستيحاش الحياة(غياب الشِّعر) وفقدان الحبِّ (غياب المحبوب) يَتَنَادى الحبُّ مع الشِّعر والمحبوب في صور تُعيدُ للكينونة ألقهَا وحضورَهَا البَاذخ في العَالم، وفي هذا يكمن رنين الشِّعر الذي يتخذه الوجود مسكناً للنِّداء!
 

 
المقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

تقييم المقال

المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات